الاتجاه - متابعة 

بقلم: أحمد فؤاد

الخامس من حزيران/يونيو 1967

قبل 54 عامًا من اليوم، كان اليوم الأطول والأسوأ في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، النكسة، الهزيمة الأكثر ترويعًا لجيوش 3 دول عربية، قضت عليها القوات الصهيونية واحدًا تلو الآخر، بعنف بالغ، واستسلام غير مسبوق في المقابل، وانتهت الساعات السوداء بتمدد السرطان الصهيوني على رقعة تبلغ أضعاف مساحة كل فلسطين التاريخية.

على الجبهة المصرية، والتي شهدت الطلقة الأولى في الحرب العربية الصهيونية الثالثة، اكتسحت نحو 400 طائرة صهيونية كل القواعد الجوية المصرية في نصف نهار، جاءت الضربة الصهيونية على القواعد الجوية المصرية ساحقة، كمنجل فلاح شاطر، يباشر حصاد بعض الخضراوات، وكنست الطائرات والمطارات المصرية كنسًا.

3 موجات هجومية، خلال عدة ساعات فقط، كانت كافية لشل القيادة المصرية، وضرب رأس القيادة العسكرية بقوة، جعلت من قدرتهم على تصور معركة هو المستحيل، ولو من باب مقاومة الذبح الآتي، الموجة الأولى والثانية ضربت قواعد القاذفات البعيدة، ومطارات سيناء والدلتا، والثالثة كسحت ما تبقى من حطام.

محمد حسنين هيكل، وهو في هذه الواقعة طرف محايد تمامًا، ينقل عن جمال عبد الناصر، إن القيادة العامة للقوات المسلحة لحظة دخوله إليها عصر يوم بدء العدوان الصهيوني، كانت مصابة بضياع كامل، ثم أصدر المشير عامر قراره المأساوي بالانسحاب عصر اليوم التالي، في مشهد يليق بالمقدمات ويكتب في أبرز فصول الحكاية الأتعس إن الهزيمة جاءت دون قتال حقيقي، وأغلب الجنود المصريين راحوا ضحية قرار متهور بعد أن أجبروا على قطع مسافة 200 كيلو متر من سيناء إلى قناة السويس، دون حماية أو تغطية، وبلا خطة من الأصل.

الحكاية لم تنته بعد الأيام الستة الكئيبة للعمليات العسكرية، بل استمرت حتى يومنا هذا، سواء في أراض عربية لا يزال يسيطر عليها الاحتلال، أو في مصادرة القرار الوطني والسيادي مقابل اتفاقيات خنوع برعاية السيد الأميركي، صاحب كل أوراق اللعبة كما يعتقد سياسيو مصر منذ السادات.

يوم الثالث من حزيران/يونيو 1989

بين شيطنة أعداء، ومحاولات لا تزال حتى اللحظة جارية لحصارها، ونفي آثارها عن محيطها الواسع، والجائع، تمر ذكرى عزيزة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، رحيل قائد ثورتها الإمام روح الله الخميني ـ قدس ـ،  مقترنة بتواريخ عربية وإسلامية عميقة في بؤسها وفقرها وتخبطها، الذي لم يعد مثيرًا للشفقة بقدر ما أصبح وقودًا لمعركة غد آت.

في الثالث من الشهر الذي سكنته حروف الحزن من قديم، ترجل الفارس بعد أن قاد معركته، التي بدت المستحيلة، وصنع بشعبه معجزة الطريق الثالث بين عالم إسلامي ممتد، كان حائرًا بين قوتين ليس بينهما بين، إما شرقًا أو غربًا، أما الإمام فقد تعلق وتطلع فقط إلى الأعلى.

في مثل هذه الأيام قبل 32 عامًا استكملت الثورة الإسلامية مسيرها على نهج صاف، نزعت عصور التخلف إلى إشراق كامل نحو ذوبان عصري بالإسلام ورسالته الخالدة، فنمت وأثمرت في سنوات قليلة ما كان من قبيل المعجزات، لا التطور السريع وفقط.

قدمت الثورة الإسلامية إلى المنطقة كلها نموذجًا خلابًا، قادرًا، أسس الإمام الخميني المعنى قبل أن يضع لبنات الدولة الإسلامية، وفي كل خطوات ما بعد الثورة الإسلامية، كان يحرص على تجذير وجود الإيمان وروح الفداء في أمة ناهضة، في التعليم كما في الصناعة، وفي المدرسة كما الشارع والحسينيات، لمس ورسخ الروح في قلب صلد من العزيمة والتصميم، لتبدأ طهران في كتابة تاريخ جديد وقت أن كان يعز الفعل خارج مدار القوتين العظميين.

في فكر الإمام، التقت الحكمة مع التغيير الثوري ـ مدفوع الثمن بالدم ـ على أمر قد قدر، لتحوز الأمة كلها بركة المنهج الرباني، وتصنع مجد ثورتها الأسطوري، وتأبى على الخضوع أو المداهنة في الحق، واستعصت شرارته على الانكفاء بعيدًا عن هموم قضايانا ونضالنا ضد قوى الاستكبار، واستمر في متابعة نضال الذود عن الأمة كلها حتى يومنا هذا.

حملت الثورة، ولا تزال، نصيبها من تكلفة دورها وضريبة طريقها الواضح، حملت البشارة والقوة، الانتصار للقضية وبالقضية، ومنحت الشعوب الأمل الفوار بإمكانيات النصر، مهما بدا في لحظات إنه بعيد جدًا عن العيون، كان دائمًا قريب من عيون الإمام.

ما قبل وما بعد

اختلف التاريخ كثيرًا قبل قيام الثورة الإسلامية وبعدها، كما اختلف بين النكسة وبعدها، تطور الخطاب العربي من اعتبار الكيان السرطاني هو العدو إلى التركيز على الأصل، الشيطان الأكبر، الولايات المتحدة، التي لم تحمل سوى ويلات للشرق الأوسط.

اليوم، وبقرب ذكرى 42 عامًا من انتصار الثورة الإسلامية، لم تعد الضربات الجوية الصهيونية تعني الانهيار الشامل والسقوط المدوي، بات التفوق المبدئي لطائراتهم من الماضي، لم يعد لديهم سلاح قاهر أو ذراع طويلة قادرة على الانتصار بأقل التكاليف، في لبنان كما في غزة سقطت أساطير الكيان التي كان يتغذى عليها سنوات طوال، بات النصر مرهونًا بالإرادة والإيمان وفقط، وهرب القلق والخوف من الخندق العربي للأبد.

في كل حساب ستبقى الثورة الإسلامية الإيرانية، وقائدها، رائدي المفتتح الجديد من القصة، أو بالأحرى الفصل الختامي منها، بكثير من التضحيات على طريق واحد، نحو القدس، بات الكيان ـ المرعب سابقًا ـ أوهن من بيت العنكبوت، كما قالها سماحة السيد حسن نصر الله، الأمين، وصدقت كلماته ووعده.

ربما كان أشد المتفائلين، ممن عاين الثورة الإسلامية في أيامها الأولى، لا يرتجي أن تصل مساحة التأثير والألق البازغ إلى كل مساحة الأرض حولها. في هذه الأسابيع تحديدًا، أصبح فيلق القدس، رصاصة أولى وأقوى نحو طواغيت العصر وجبابرته، تمحق بسيف علي وإيمان عمار، كل زرع الشيطان في مقدساتنا وحولها، وتقدم اليد الممدودة لكل مقاتل وفدائي، وتضيف إلى المعادلة عنصر الحسم على كل الجبهات.

MY